قم – وكالةُ الأنباءِ الخاصّة: في لقاءٍ علميٍّ وديٍّ عُقِدَ في جامعةِ باقرِ العلوم (عليه السلام) بحضورِ وفدٍ من الأساتذةِ والعلماءِ البارزين من الجمهوريةِ التونسية، أكّد الطرفان على ضرورةِ إعادةِ النظرِ في «نظريةِ المعرفة»، ومواجهةِ الأسسِ الفكريّةِ للحضارةِ الغربيّة، والاستفادةِ من النماذجِ الحديثةِ للحَوكمةِ الإسلاميّة.
وَفْقًا لِما أفادت به دائرةُ العلاقاتِ العامّة في جامعةِ باقرِ العلوم (عليه السلام)، عُقِدَ هذا اللقاءُ بهدفِ دراسةِ الفرصِ والتحدّياتِ التي تواجهُ العالمَ الإسلاميَّ، وتبيينِ دورِ النُّخبِ الدينيّةِ في صناعةِ مستقبلٍ ذي بُعدٍ حضاريٍّ.
المقدّمة: التكامُلُ بين الحوزةِ والجامعةِ في مسارِ الحضارةِ الحديثة.
في مستهلِّ هذه الجلسة، رحّبَ الدكتورُ السيّد هادي ساجدي، نائبُ رئيس الجامعة للشؤون الدوليّة في جامعة باقرالعلوم، بالضيوفِ التونسيّين، وعرّف بالجامعة بوصفها مؤسّسةً فريدةً تعمل تحت إشرافِ مكتبِ الدعوةِ الإسلاميّة في الحوزةِ العلميّةِ بقم ووزارةِ العلوم. وأوضح أنّ معظمَ طلبةِ هذا الصرحِ هم من خرّيجي المستوياتِ العليا في الحوزة، وقد التحقوا بالمجالِ الجامعيّ لاكتسابِ العلومِ الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ الحديثة، بهدفِ سدِّ الثغراتِ القائمةِ في الحوكمةِ الدينيّةِ بالمعرفةِ المعاصرة.

١. الدكتور عبد الجليل سالم (وزيرُ الشؤون الدينيّةِ الأسبق في تونس والرئيسُ السابقُ لجامعةِ الزيتونة):
هنّأَ الدكتورُ سالم بذكرى انتصارِ الثورةِ الإسلاميّة، واصفًا إيران بأنّها «رأسُ المقاومةِ في العالمِ الإسلاميّ»، كما تناولَ تحليلَ تداعياتِ عمليّةِ «طوفانِ الأقصى»، وقال:
«إنّ طوفانَ الأقصى لم يكن مجرّدَ معركةٍ عسكريّة، بل كان تحوّلًا فلسفيًّا وتاريخيًّا كبيرًا. فللمرّةِ الأولى في تاريخِ الغرب، تراجعت روايةُ “الهولوكوست” لتحلَّ محلَّها روايةُ “الإبادةِ الجماعيّة”. إنّ الحضارةَ الغربيّةَ التي قامت على أساسِ قتلِ الشعوبِ والمرتكزاتِ المستندةِ إلى النصوصِ التوراتيّة، قد انكشفت اليوم وافتُضِحَت أمامَ الرأيِ العامِّ العالميّ.»
وأضافَ في سياقِ حديثِه:
«إنّ نظامَ العالمِ بعدَ الحربِ العالميةِ الثانية قد وصلَ إلى طريقٍ مسدود. ونحنُ كمسلمين (شيعة وسنة) علينا واجبُ بناءِ نظامٍ عالميٍّ جديدٍ يقومُ على كرامةِ الإنسانِ والقيمِ الأخلاقيّةِ الإسلاميّة. إنّ العالمَ اليومَ أكثرُ من أيّ وقتٍ مضى جاهزيّةً لتقبّلِ الفكرِ الإسلاميّ.»


٢. الدكتور قاسمي (أستاذُ اللاهوتِ والشريعةِ في جامعةِ الزيتونة):
أكّدَ الدكتورُ قاسمي على ضرورةِ الاستقلالِ الفكريّ والعودةِ إلى الجذورِ المعرفيّةِ للإسلام، وطرحَ سؤالًا أساسيًّا موجّهًا إلى الأساتذةِ الإيرانيّين:
«لقد استطاع الغربُ من خلالَ ثلاثةِ مجالاتٍ هي “الهستولوجيا” (علم الوجود)، و”الإبستيمولوجيا” (علم المعرفة)، و”الإكسيولوجيا” (علم القيم) إعادةَ بناءِ العقلِ العربيّ والإسلاميّ. كثيرٌ منا يتكلّمُ بالعربيةِ، لكنه يفكّرُ بالعقلِ الغربيّ. علينا أن نسألَ: هل فكّرنا بعقلِنا الخاصّ؟»
وانتقدَ الوضعَ الحاليَّ لتدريسِ العلومِ في بعضِ الجامعاتِ، قائلاً:
«ما زلنا ندرّسُ المنطقَ الأرسطويّ بينما التاريخُ قد تجاوزَه. إنّ ابنَ خلدونَ هو المؤسّسُ الحقيقيّ لعلم الاجتماع، لكننا ما زلنا نتّبعُ أوغست كونت. علينا أن نعيدَ بناءَ “النظريةَ الاجتماعيّة” خاصّتنا بناءً على المقارباتِ القرآنيّة.»
٣. الدكتور عبد الكريم الطرابلسي (أستاذُ الفقهِ وتفسيرِ القرآن، إمامُ جمعةِ جامعِ فتحِ بتونس):
وأكّدَ على أهمّيّةِ التحوّلِ في «الخطابِ الدينيّ» ومطابقتهُ معَ الواقعِ المعاصر.
«ما ألحقَ بأمّتنا أكبرَ الضررِ هو التعصّب. يجبُ على الفقيهِ والداعيةِ أن يُناسِبَ خطابهُ معَ الزمانِ والمكان. علينا استخدامُ “الفقهِ الخلافيّ” لتطويرِ الخطابِ الدينيّ وإحداثِ التيسيرِ في حياةِ الناس.»
٤. الشيخ ماهر السنوسي (إمامُ جمعةِ مدينةِ سوسة وخبيرُ برامجٍ دينيّةٍ في الإذاعةِ والتلفزيونِ التونسيّ):

وأشادَ بثباتِ الثورةِ الإسلاميّةِ في إيران، واصفًا إيّاها بأنّها «وحيٌ إلهيّ» لا مجرّدُ عملٍ بشريّ، وقال:
«إنّ الثورةَ الإيرانيّةَ قامتْ على أساسِ إصلاحِ الإنسان. لقد رأيتُ هنا شعبًا يطبّقُ القرآنَ على الأرضِ وفي صميمِ حياتِهم، لا مجرّدَ في محاريبِ المساجد. وهذا هو الفرقُ الأساسيّ مع بعضِ الدولِ الأخرى التي تُكثرُ الكلامَ لكنها ضعيفةٌ في التطبيقِ العمليّ.»
ردّ أساتذةِ جامعةِ باقرِ العلوم (عليه السلام) واستعراضُ إنجازاتهم
ردًّا على همومِ الضيوف، قامَ أساتذةُ الجامعةِ بشرحِ الأنشطةِ العلميّةِ للجامعة.
- حجّةُ الإسلام الدكتور محسن الویري (رئيسُ قسمِ التاريخ في جامعةِ باقرِ العلوم): أعلنَ الدكتور الویري عن تأسيسِ التخصّصِ الجديد «فلسفةُ التاريخ»، وقال:
«في هذا التخصّص، ندرسُ مبادئَ الوجودِ والمعرفةِ من منظورِ التاريخِ مع التركيزِ على الأسسِ الإسلاميّة. هدفُنا إعادةُ قراءةِ التراثِ التاريخيّ لاستخراجِ حلولٍ للمستقبل. حتى حديثٌ بسيطٌ عن طائرٍ صغيرٍ لطفلٍ (حديثُ النُغَيْر) يمكنُ أن يستنبطَ منه 60 إلى 120 قاعدةً تربويّةً وفقهيّةً وحوكميةً لتنظيمِ علاقةِ الحاكمِ بالشعب.»
- حجّةُ الإسلام الدكتور يوسفِي (رئيسُ قسمِ الفلسفةِ والكلام): أكّد على اعتمادِ النهجِ الهجوميّ (وليس الانفعاليّ) تجاهَ الفلسفاتِ الغربيّة.
«يركّزُ اهتمامُنا في مرحلةِ الدكتوراه على “الفلسفاتِ المضافة” مثل فلسفةِ الدين، وفلسفةِ الحقوق، وفلسفةِ العلومِ الاجتماعيّة. نحنُ نسعى إلى مواجهةٍ علميّةٍ مع الأسسِ الغربيّة، وتقديمِ بدائلَ قويّةٍ مستمدةٍ من الحكمةِ المتعاليةِ والفلسفةِ الإسلاميّة.»
«تحليلُ الأزمةِ المعرفيّةِ في الغرب وضرورةِ بناءِ الحضارةِ الإسلاميّة»
القسمُ الثاني من التقرير: في سياقِ اللقاءِ التخصصيّ بين أساتذةِ جامعةِ باقرِ العلوم (عليه السلام) والمفكّرينَ البارزين في تونس، تمّت مناقشةُ المحاورِ الرئيسة حولَ «نقدِ الفلسفةِ الحديثة»، و«إعادةِ قراءةِ إرثِ ابنِ خلدون»، و«ضرورةِ توحيدِ الكلمةِ في مواجهةِ الهيمنةِ العلميّةِ الغربية».
في هذا الجزء من الجلسة، شدّدَ الأساتذةُ الإيرانيّون على ضرورةِ تجاوزِ النظرةِ الانفعاليّةِ تجاهَ العلومِ الإنسانيّةِ الغربيّة، بينما أكّدَ الضيوفُ التونسيّون على المكانةِ الرفيعةِ للمفكّرينَ مثل «طه عبد الرحمن» في نقدِ العقلانيّةِ الحديثة.

۱. النهجُ الهجوميّ تجاهَ الفلسفةِ الغربيّة واستراتيجيّةُ التقريب
حجّةُ الإسلام الدكتور يوسفِي (مديرُ قسمِ الفلسفة): بيّنَ الدكتور يوسفِي السياساتِ العلميّةَ للجامعة في مواجهةِ الغرب، مؤكدًا على الثنائيةِ بين «القوّةِ تجاهَ العدو» و«المودّةِ تجاهَ الإخوةِ المسلمين».
«نحنُ في مواجهةِ ما يأتي إلينا من الفضاءِ الغربيّ نتّخذُ نهجًا “هجوميًّا” لا انفعاليًّا. يجبُ أن نقفَ بقوّةٍ أمامَ الهجماتِ الفكريةِ الغربية. أمّا في الفضاءِ الإسلاميّ، فأنا أؤمنُ أنّ علينا نحنُ العلماءُ والأساتذةُ اتباعَ “النهجِ التقريبيّ”. يجبُ أن يكونَ توحيدُ الكلمةِ حولَ المشتركاتِ مثل القرآنِ، والنبيّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله)، وأهلِ البيتِ (عليهم السلام) هو أساسُ العمل.»
وأضافَ مخاطبًا الطلّابَ والشباب:
«يجبُ أن نعلّمَ شبابَنا أنّ الابتعادَ عن التعصّباتِ القوميّةِ وتعزيزَ روحِ المقاومةِ في الفكرِ والعمل، هو السبيلُ الوحيدُ لانتصارِ الإسلام ونصرته.»

۲. موتُ الميتافيزيقا في الغربِ وعودةُ التوحيد
حجّةُ الإسلام الدكتور حميد بارسانيا (أستاذُ جامعةِ باقرِ العلوم (عليه السلام) وعضوُ المجلسِ الأعلى للثورةِ الثقافيّة): أشارَ الدكتور بارسانيا إلى المكانةِ التاريخيّةِ لمدينةِ القيروان في الأدبِ الفارسيّ، وبيّنَ الطبقاتِ العميقةَ للثقافة.
«أعمقُ طبقةٍ في أيِّ ثقافةٍ هي الوجوديّة (Ontology). الثقافةُ الغربيّةُ الحديثةُ نشأت بهويّةٍ مفصولةٍ عن الوحي. أمثالُ كانط، من خلالِ تحجيمِ الميتافيزيقا إلى العلومِ الطبيعيّة، أعلنوا فعليًّا “موتَ الميتافيزيقا”. في المقابل، تُحوّلُ كلمةُ “التوحيد” كلَّ الأوهامِ عن العالم، وتبني المعرفةَ والإنسانيةَ بما يتناسبُ معها.»
وأضافَ مشيرًا إلى الأضرارِ الناجمةِ عن الاستعمار:
«أكبرُ الأضرارِ التي لحقت بالثقافةِ الإسلاميّة جاءت من ناحيةِ السياسةِ والسلطة. لقد حاولَ الاستعمارُ سلبَ القوةِ الفكريّةِ من داخلِ دولِنا، بحيث إنّ المفاهيمَ والمصطلحاتِ العلميّةَ لدينا اليوم (مثل معادلةِ العلم بالـ Science) قد دُخِلت بالكاملِ من الغرب، وفقدت معناها الإسلاميّ الأصلي.»
۳. ابن خلدون؛ من الأشعريّةِ إلى الواقعيّة
الدكتور عبد الجليل سالم (وزيرُ الشؤونِ الدينيّةِ الأسبق في تونس): في ردٍّ تحليليّ على كلماتِ الدكتور بارسانيا، تناولَ الدكتور سالم الجذورَ الفكريّةَ لابنِ خلدون.
«ابن خلدون في كشفِ علمِ العمران بدأَ بنقدِ علمِ الكلام عند المتأخّرين (وخاصة فخرُ الرازي). أدرك أنّ علمَ الكلام لم يعد كما كان من وظيفةٍ سابقة، وأنّه يجبُ بناءُ علمٍ جديدٍ لفهمِ التاريخِ والدولة. وعلى الرغمِ من أنّه نشأَ في بيئةٍ أشعرية، إلا أنّه في نظريّةِ السببيّة اتّجهَ بصمتٍ نحوَ رأي ابن رشد والحتميّة الأرسطية، ليتمكّنَ من تأسيسِ علمِ الاجتماع.»

كما أكّدَ على أهمّيّةِ دراسةِ آثارِ «طه عبد الرحمن».
«طه عبد الرحمن هو أعظمُ فلاسفةِ الإسلامِ المعاصرين، وقد قدّم نقدًا قويًّا لفلاسفةٍ مثل كانط، ونيتشه، وديكارت. وهو يرى أنّ أمثالَ جابري أو حسن حنفي مقلّدون لليونان أو الغرب، وأنّه يجبُ علينا العودةُ إلى المفاهيمِ الأصيلةِ القرآنيّة.»
ملاحظاتٌ هامشيّة:
- تمّ الإعلانُ في هذا اللقاء أنّ بعضَ أعمالِ طه عبد الرحمن قد تُرجمت في إيران، بل وحازَ بعضها على جائزةِ كتابِ السنةِ في الجمهوريّةِ الإسلاميّة.
- يعقدُ أساتذةُ جامعةِ باقرِ العلوم (عليه السلام) منذُ عشرين عامًا وحتى اليوم جلساتٍ مستمرةً لنقدِ نصوصِ كانط من منظورِ الحكمةِ المتعالية.
- قدّمَ الدكتور عبد الجليل سالم نسخةً من كتابه الذي ألفَه قبلَ 41 عامًا كهديةٍ تذكاريّةٍ لمكتبةِ الجامعة.






















